زكريا القزويني

71

آثار البلاد واخبار العباد

مالا وأهون أمرا من أن نرفعه إليك ! وإنّه ليرعى إبلنا حقين بين أظهرنا ! فقال له عمر : إن ابن أخيك هذا عزمنا ! قال : نعم . قال : فأين يصاب ؟ قال : بأراك عرفات . فركب عمر وعليّ سراعا إلى عرفات فإذا هو قائم يصلّي إلى شجرة والإبل حوله ترعى ، فأقبلا إليه وقالا : السلام عليك ورحمة اللّه وبركاته ! فردّ عليهما جواب السلام . قالا له : من الرجل ؟ قال : راعي إبل وأجير قوم ! قالا : ما اسمك ؟ قال : عبد اللّه . قالا : اسمك الذي سمّتك أمّك به ؟ قال : يا هذان ما تريدان إليّ ؟ قالا : وصف لنا رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، أويسا القرني وقد عرفنا الصهوبة والشهولة ، أخبرنا أن تحت منكبك الأيسر لمعة بيضاء أوضحها لنا . فأوضح منكبه ، فإذا اللمعة فابتدار يقبّلانه وقالا : نشهد أنّك أويس القرني ! فاستغفر لنا يغفر اللّه لك ! فقال : ما أخصّ باستغفاري نفسي ولا أحدا من ولد آدم ، ولكنّه من في البحر والبرّ من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات . يا هذان ، قد شهر اللّه لكما حالي وعرّفكما أمري فمن أنتما ؟ قال عليّ : أمّا هذا فعمر أمير المؤمنين ، وأمّا أنا فعليّ بن أبي طالب ! فاستوى أويس وقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته ، وعليك يا عليّ بن أبي طالب ، فجزا كما اللّه عن هذه الأمّة خيرا ! قالا : وأنت جزاك اللّه عن نفسك خيرا ! فقال له عمر : مكانك يرحمك اللّه ، حتى أدخل مكّة وآتيك بنفقة من عطائي وفضل كسوة من ثيابي ، هذا المكان ميعاد بيني وبينك . فقال : يا أمير المؤمنين لا ميعاد بيني وبينك ، لا أراك بعد اليوم تعرفني ، ما أصنع بالنفقة وما أصنع بالكسوة ؟ أما ترى عليّ إزارا ورداء من صوف متى تراني أبليهما ؟ أما ترى أني أخذت رعائي أربعة دراهم متى تراني آكلها ؟ يا أمير المؤمنين ، إن بين يديّ ويديك عقبة كؤودا لا يجاوزها إلّا ضامر مخفّ مهزول ! فلمّا سمع عمر ذلك ضرب بدرّته الأرض ثمّ قال بأعلى صوته : يا ليت عمر لم تلده أمّه ! يا ليتها كانت عاقرا لم تعالج حملها ! قال : يا أمير